السيد محمد تقي المدرسي

190

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه)

وجاء في الحديث : أوصى الله لداود : ( حذر وأنذر أصحابك عن حب الشهوات ، فإن المعلقة قلوبهم بشهوات الدنيا ، قلوبهم محجوبة عني . . ) وجاء في رواية مأثورة : ( وإذا حيرك أمرك لا تدري أيهما خير ، وأصوب ، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه ، فإن كثير الثواب في مخالفة هواك ) . . وجاء في حديث آخر : ( وأكثر الصواب في خلاف الهوى ، وإن الطمع مفتاح الذل واختلاس العقل والذهاب بالعلم . . ) . شهوات الهوى : إذن ، اتباع الهوى يعني : اتباع ما يحبه الإنسان ويشتهيه . ولأن شهوات الإنسان تختلف ، فإن موارد اتباع الهوى تختلف هي الأخرى ، والسؤال : ما هي شهوات الإنسان ؟ وبالتالي ما هي أهواؤه ؟ « 1 » : شهوة الخلود ، شهوة الراحة ، شهوة الأمن والسلامة ، وأخيرا شهوة الملك والسيطرة . . هي جميعا شهوة واحدة هي ( شهوة الحياة ) وهي أعمق شهوة في النفس البشرية ، لأنها صور لهوى النفس ، في أوضح وأصدق حالاتها . شهوة الطعام والمسكن واللباس ، شهوة الأولاد وحس التكيف مع البيئة ، حس التكيف مع المجتمع ، والاستسلام لضغوط السلطة ، كل هذه صور أخرى وإن كانت باهتة - أحيانا - عن شهوة الحياة .

--> ( 1 ) - هنا يجب أن نضع ملحوظة ضرورية هي أن الهوى والحب هما حالتان للنفس البشرية تختلفان كثيرا . فالهوى هو حب الذات ، وحب أي شيء يخدم الذات مباشرة أو غير مباشرة فمثلا : حب الحياة ، وحب الراحة ، وحب الأكلات الشهية ، وحب النساء ، وحب المال ، والسلطات ، إنما هي مرجعها جميعا حب الذات ، إذ كلها تخدم الذات مباشرة ، أو غير مباشرة . بينما الحب هو : الرغبة في الغير دون أن يرتبط بالذات ، فحب الخير وأهله وحب المبدأ ، وحب الوطن و . . و . . إنما هو الرغبة في كل أولئك دون أن يعتبر فيها حب الذات ، وهكذا يكون الحب عطاء والهوى أخذ .